Share on Facebook Share On Twitter Bookmark and Share

تنفس الصعداء بقلم عمر الخطيب
  
بقلم : عمر الخطيب
الميكروباص المصري بين الواقع والخيال
(تنفس الصعداء)
في تلك الليله رايتها قادمة من بعيد تهتز في شكل عفوي وغير منتظم كالمجنونه فخفت ان اركبها ولكن نفسي حدثت الي وقالت ان جميع السيارات في هذه المنطقه بهذه الهيئه فما يمنعك ان تركب؟ فاطعتها وابتلعت الطعم واشرت الي سيارة الميكروباص تلك بالوقوف وبدات احداث تلك الليله التي لن انساها ابدا . بداية لم اجد في السياره سوي السائق وحيدا ولربما استغربت لهذا الشان ولكني قلت بيني وبين نفسي (ربما يكون ذاهبا الي الموقف لكي يملا السياره بالركاب ) فهذه عادة السائقين عندما يقف في محطة الوصول كثيرا ولا يجد احدا فانه يذهب الي محطة الاياب لكي يقوم بعمل نقله (فرده ) بلغة السائقين . ولكن الملفت في الامر انه كان يسير وحيدا اي انه لم يصبر حتي ياخذ نفرا واحدا من موقف الذهاب.المهم اشرت الي تلك السيارة الهائمه علي وجهها وبمجرد الاشاره الا ان اوقف السائق مكابح السياره بشده حتي اثرت في شكل الاسفلت فنظرت الي الارض ثم الي السائق وعلي وجهي نظرة الفزع فنظر الي بسماجه وقال في صوت اجش (متركب يا عسليه ) ظهرت علامات الاستفهام فوق راسي كما في افلام الكرتون وفيها كلمة (عسليه ؟) توجهت للباب وانا في خلفيتي المسبقه ان جميع ابواب الميكروباصات عادة ما تكون صعبة الفتح لما يصيبها من صدا او ما شابه ذلك فحاولت فتح الباب بشده ولكنني خدعت لان باب الميكروباص لم يكن مغلقا من الاساس فالقفل كان مكسورا فكدت ان اقع للخلف من شدة جذبي للباب وهو مفتوح فنظر الي السائق وقال ولم اكن متاكدا انه كان مبتسما ام لا لان السياره كانت مظلمه المهم انه قال في سخرية ما (بايظ ) وفتحت الباب وصعدت الي هذه العربه العجيبه وجلست علي شيئا يشبه الكرسي الادمي والمتعارف عليه بيننا ولكنه لم يكن كذلك فقاعدة الكرسي لم تكن مثبته بل كانت قطعة من الخشب موضوعه علي حديد المقاعد الموجود في اي سياره –ربما من يقرا ذلك يظنني مبالغا ولكن من يعيشون في المناطق العشوائيه ويركبون الميكروباصات يعلمون جيدا عما اتحدث –وجلست علي الكرسي وانا امسك الباب المفتوح بيدي اليمني وقاعدة الكرسي المهزوزه بيدي اليسري وما ان جلست حتي طار صاحبنا بسرعة لا يمكن لمثل تلك السياره ان تسير بها وما ان انطلق حتي انزلقت قاعدة الكرسي من اسفل مني وانا معها بالتاكيد فقال وهو لا ينظر الي (امسك نفسك انت مش متعشي ولا ايه ؟) قالها وانا احاول ان اعدل نفسي ثانية وما ان اعتدلت حتي سمعت من كل قطعة من السيارة صوتا يعبر عنها فالكرسي الصدا ينزلق من تحتي والباب يحاول ان ينفتح وانا احاول ان اجعله مغلقا والزجاج غير مثبت في مكانه بالطبع, حتي ظننت ان السياره ستتفكك بنا ونحن نسير –كل شئ من حولي يحدث ضجيجا لا يمكن وصفه –كل ذلك لم يهمني كل ما اهمني وافزعني هو سرعته الجنونيه وهو يتلافي اي شئ فيما يسمي ب (الغرز ) ولا ابالغ اذا قلت لك اني لم اري مثل هذه الغرز في فيلم اكشن. فالطريق كان اتجاهين وفي نفس الوقت لم يكن هناك جزيره او رصيف يفصل بين القادم والذاهب ولكن صاحبنا كان يسير في كلا الطريقين بنفس السرعه .الغريب في الامر انه لم يكن مفزوعا ولا يبدوا عليه اي علامه من علامات الخوف بل كان الامر يبدوا وكانه مسليا علي الرغم من ان ما كان يحدث لم يكن فعلا مسليا علي الاطلاق فالذي كان يحدث كالتالي –يسير السائق في وسط الطريق والسائق القادم من الاتجاه المقبل يسير ايضا في وسط الطريق بنفس السرعة الجنونيه حتي اذا اقتربا من بعضهما ببضعة امتار تفادي كل منهما الاخر وسارت كل سياره في مسارها الصحيح فعلمت انها لعبة يلعبون بها اذا كان الطريق غير مزدحم –كيف لهؤلاء الحمقي المخاطره بروح الركاب بهذا الشكل ؟ كان كل شئ يدور في ذهني ولكني شعرت انه مشلولا من هول الموقف – المهم اننا اثناء سيرنا اذا بسياره ميكروباص تسير بجوارنا في نفس الاتجاه وبنفس السرعه وبالطبع بدون كشافات او كلاكسات او حتي زمارة العيد وسار بجوارنا حتي اقترب من السياره لدرجة اني ظننت انه سيرتطم بنا, و ما ان سارا بجوار بعضهما قال السائق الاخر لسائق السيارة التي انا بها
ازيك يا طيار (صاحبنا السائق ) معاك فكة خمسه ؟
وبالطبع ربطت بين اسم طيار وسرعته في القياده
طيار : هو انا لو معايا فكة خمسه كنت اعدت في البلد دي ؟
فقلت بيني وبين نفسي وبصوت منخفض :ده علي اساس انك معاك فكة خمسه مليار مثلا ؟
وعلي الرغم من الضوضاء المحيطه الي انه سمعني وضحك بصوت عالي وقال ( حلوه ..وربنا حلوه )
لم اعلم كيف كان لي عقل يفكر ويطلق النكات في مثل هذا الموقف ؟ ولكن انها عادتنا كمصريين نطلق النكات في اي وقت وتحت اي ظروف.
لقد كنا في شئ يشبه السياره ولكن كوني مهندسا عرفت تصنيفا لها انها لم يتم رسمها هندسيا بل ان احدا منهم قام برسم اسكتش باليد (free hand ) او رسما كاريكاتريا واعطاه لاحدي ورش صناعة السيارات كي تنفذه وتم صنع هذا الاختراع العجيب و تذكرت حينها ايام الابتدائيه اذ كان مدرس الرسم يطلب منا ان نرسم الشوارع والسيارات وهكذا فكنت ارسم شيئا يشبه هذه السياره بالضبط .
وانطلق طيار بنفس السرعه وانا لازلت بنفس الهيئه (ماسكا الباب بيدي اليمني والمقعد بيدي اليسري ) ثم اخرج سيجاره واشعلها وهو ينظر الي الطريق تاره ثم الي طافية السيجاره تارة اخري وهناك شيئا ما يجعله مضطربا لم افهمه حتي الان فقال ( كله بسبب ابن ال...... بتاع الملاكي )
وتكرر ذلك عدة مرات فخفت ان يغضب اكثر ويدخل بنا في الرصيف او يرتطم باحد اصدقائه السائقين فبدات اساله -وانا ابتسم ابتسامة الخائفين البلهاء واود ان اقفذ من تلك العربه الطائشه
(في ايه يا عم ؟)
فاشار الي السياره الملاكي التي تسبقنا ..............................
.ر ثم قال جملة اعتراضيه مختصره في ثلاث حروف وقال (ابن ال....... بتاع الملاكي)
فقلت : ماله ؟
طيار : ماله ؟ مش عايزيمشي خايف علي العربيه اللي امه جايبهاله وخلي الواد (جزره) يعدي مني . ازاي دنا طيار يا جدعان ؟
يا عم ولا يهمك فيها ايه يعني انت تعدي مره وهو يعدي مره
ولا يهمك ؟ بقولك ايه خليك في حالك. ماشي ؟
حاولت ان اخرجه من هذا السباق الوهمي الذي يعيشه وكأنه يسوق الفراري فقلت له
(انا علي فكره دافع جنيه مش الاجره نص بردو ولا ايه ؟)
فنظر الي نظرة غضب ونفخ نفخة شديده شعرت لحظتها انه سيطلق مجموعة من الشتائم ذات العيار الثقيل ولكنه نظر الي التابلوه باحثا عن اي فكه ليعطيها اياي قائلا بصوت منخفض (عايز الباقي كمان. عالم بنت .....يعني انا طالع بأم العربيه فاضيه عشان نص جنيه دانتو عالم ولاد ......)نظرت الي السقف وانا اصفر وكانني لم اسمع شيئا كي احصل علي الباقي واهبط دون اصابات –كنا وقتها قد دنونا من المحطة –
وعلي بعد عشرين مترا كانت تقف سياره اجره اخري ولكن صاحبنا يسير بنفس السرعة الجنونيه فاقتربنا حتي اصبحت المسافه حوالي عشرة امتار وهو يسير بنفس السرعه وانا انظر الي السياره الواقفه ثم انظر اليه ثم الي السياره ثم اليه ثم وضعت يداي علي عيني وتركت الباب وقاعدة الكرسي وادركت انني ميت لا محاله وبمجرد وضعي يدي علي عيني حتي اوقف طيار مكابح سيارته فجأة فانزلقت قاعدة الكرسي من اسفل مني وانا معها بالطبع فارتطم وجهي بزجاج السياره وجسدي بالتابلوه حتي شعرت ان جميع اعضائي تفككت ولم يبدي صاحبنا اي علامة ندم علي ما فعل انما بكل بساطة وثقه اعطاني نصف الجنيه وقال بهدوء (حمدا الله علي السلامه يا عسليه ) لم اعرف وقتها اي سلامة هي التي يتحدث عنها بالتحديد انما تنفست الصعداء حامدا الله علي نجاتي من تلك المغامره ثم ابتسمت نفس الابتسامة السابقه واعتدلت واخذت الباقي وانا انزل من السياره متعرجا وافكرفي معني تنفس الصعداء التي اقراها كثيرا في القصص المرعبه والتي كنت اتهم كتابها بالمبالغة ولكنني تنفستها بالفعل .



اضف تعليق

الاسم:
الايميل :
عنوان التعليق :
عنوان التعليق :
   
تعليقات الزوار